يتناول المقال التحوّل الذي شهدته منطقة خريبة السوق في عمّان من موقع حضاري وتاريخي حيّ إلى فضاء مهمَّش يثير القلق والخوف لدى السكان، مع التركيز على المباني المهجورة وما يُعرَف بالمبنى "المرعب"، وتراجع الاهتمام الرسمي بالبيئة العمرانية التراثية. ويعرض المقال إشكالية تحوّل الذاكرة العمرانية إلى عبء ومصدر تهديد بدلاً من كونها عنصر فخر وأمان، مع التأكيد على أهمية مبادرات الإعمار والتنظيم الحضري للحفاظ على الهوية التاريخية للمنطقة، والدعوة إلى تفعيل دور المجتمع ومؤسسات الدولة في إعادة إحياء خريبة السوق كجزء أصيل من تاريخ عمّان.
تُعدّ خريبة السوق إحدى المناطق القديمة في مدينة عمّان التي ارتبط اسمها بتاريخ حضاري واجتماعي عريق، حيث شكّلت في مراحل سابقة من نمو المدينة فضاءً عمرانيًا نابضًا بالحياة، وبيئة حاضنة للعائلات والأحياء التي شاركت في تشكيل الذاكرة الجمعية للعاصمة الأردنية. وقد مثّلت حاراتها وبيوتها جزءًا من مشهد أوسع لهوية عمّان كمدينة تجمع بين الامتداد التاريخي والتحولات الحضرية الحديثة.
مع مرور الزمن، شهدت خريبة السوق تحولات عمرانية واجتماعية متسارعة، انعكست على ملامحها المادية والمعنوية على حد سواء. فعدد من المباني القديمة تُرك بلا صيانة أو إعادة تأهيل، الأمر الذي أدى إلى تراجع وظيفتها السكنية أو التجارية وتحولها إلى مبانٍ مهجورة فاقدة لدورها في النسيج العمراني. وقد برز ضمن هذا السياق ما يُشار إليه في الخطاب الشعبي بـ"المبنى المرعب"، وهو نموذج لمبانٍ مهجورة أصبحت مصدر قلق للسكان نتيجة ما يرتبط بها من مخاوف أمنية واجتماعية ورمزية.
ترافق هذا التراجع المادي في البيئة العمرانية مع شعور متزايد لدى السكان والمهتمين بالشأن الحضري بأن المكان الذي كان يومًا ما رمزًا للحضور الحضاري أصبح مهددًا بالتحول إلى عبء عمراني وأمني. فغياب برامج ترميم فعّالة، وضعف مشروعات الإعمار المنظمة، وعدم استثمار القيمة التاريخية والمعمارية لعدد من المباني، أسهم في تعميق الفجوة بين الماضي الحيّ للمنطقة وواقعها الحالي.
كما أفرز هذا الواقع حالة من الجدل والانقسام في الخطاب العام ووسائل التواصل الاجتماعي حول مسؤولية الجهات المعنية في التعامل مع هذه المناطق التاريخية. إذ تُطرح تساؤلات حول دور السياسات الحضرية، ومستوى تدخل المؤسسات الرسمية، ومدى جدّية مبادرات إعادة التأهيل مقارنة بحجم التدهور العمراني والاجتماعي. وتتم الإشارة بشكل متكرر إلى أن ترك المباني والمرافق في حالة الإهمال قد يحوّلها من عناصر تراثية ذات قيمة إلى بؤر خطورة محتملة.
يُظهِر الخطاب المتداول حول خريبة السوق إدراكًا متزايدًا لأهمية الذاكرة الحضرية، بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية لعمّان لا مجرد مبانٍ قديمة. فالأحياء والبيوت والقصص المرتبطة بها تمثّل ذاكرة لأجيال متعاقبة، ما يجعل اندثارها أو تحوّلها إلى فضاءات مهملة مسألة تتجاوز البعد الجمالي إلى مسألة هوية وانتماء. ويُطرح في هذا السياق تساؤل جوهري حول كيفية تحول الذاكرة العمرانية من مصدر فخر إلى مصدر تهديد، عندما تُترك دون صيانة أو حماية أو توظيف حضري مدروس.
تفرض هذه الإشكالية ضرورة إعادة النظر في آليات التعامل مع المناطق التاريخية داخل المدن الكبرى، ومن بينها خريبة السوق. فإحياء هذه المناطق يتطلب برامج شاملة تشمل توثيق المباني والقصص المرتبطة بها، وتحديد المباني ذات القيمة التراثية، ووضع خطط لإعادة استخدامها بوظائف ثقافية أو مجتمعية أو اقتصادية ملائمة، مع مراعاة معايير السلامة والأمن العمراني. كما يستلزم الأمر شراكة فعّالة بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، لضمان أن لا تتحول هذه الأحياء إلى فراغات مهملة خارج الدورة الحضرية.
تؤكد التجارب الحضرية العالمية أن دمج المواقع التاريخية في مشروع المدينة المعاصرة يساهم في تعزيز الانتماء، وتحسين جودة الحياة، ودعم الاقتصاد المحلي من خلال السياحة الثقافية والمشروعات الصغيرة. وفي حالة خريبة السوق، يمكن أن يشكّل توظيف مبانيها القديمة وفضاءاتها العامة في أنشطة ثقافية واجتماعية وتنموية خطوة مهمة نحو تحويلها من نقطة جدل ومصدر خوف إلى نموذج لإعادة الإحياء العمراني الواعي.
تُبرز النقاشات المتكررة حول خريبة السوق وجود رغبة واسعة في الحفاظ على أصالة الأحياء القديمة في عمّان، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى المدينة بوصفها كتلًا إسمنتية حديثة منفصلة عن جذورها. كما تعكس في الوقت نفسه مطلبًا ضمنيًا بتفعيل دور المسؤولية المؤسسية في حماية التراث العمراني ومنع تدهوره إلى مستويات تشكّل خطرًا ماديًا أو اجتماعيًا.
في ضوء ذلك، تمثل خريبة السوق حالة دراسية مهمّة لوضع سياسات عمرانية متوازنة، تجمع بين حماية الإرث التاريخي والاستجابة لمتطلبات التطوير والتنظيم الحضري. فنجاح هذه السياسات في إعادة دمج المنطقة في الحياة الحضرية، عبر مشروعات إعمار حقيقية ومستمرة، قد يحولها مجددًا إلى أحد الفضاءات الحيوية التي تعكس تاريخ عمّان وتطوّرها، بدل أن تبقى رمزًا للإهمال والتوتر بين الماضي والحاضر.